كتب الصحافي تامير هايمان ، في موقع "المؤسسة الوطنية للدراسات الأمنية" الإسرائيلي، مقالاً ركّز فيه على المفهوم الجديد للامن القومي الإسرائيلي، الذي رأى انه بدأ العمل به بعد عملية 7 تشرين الأول 2023. وفي ما يلي ترجمة "النشرة" الالكترونية لابرز ما تضمنه المقال:
يقف مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي عند منعطف حاسم. فمنذ 7 تشرين الاول 2023، بات واضحاً أن إسرائيل تعمل وفق مفهوم أمني جديد، بدلاً من العقيدة الأمنية غير المكتوبة التي تشكلت على مدى عقود. ولم تتم صياغة هذا المفهوم رسمياً أو عرضه على المواطنين، لكنه بات يوجّه القرارات الأمنية عملياً.
يستمد المفهوم الأمني أسسه من هوية الدولة وإرثها التأسيسي، فيما تطبّق السياسة الأمنية هذا المفهوم وفق توجهات الحكومة. لذلك، فإن تغيير المفهوم الأمني قد يعكس تحولاً أعمق في الهوية الوطنية الإسرائيلية.
أبرز مبادئ المفهوم الجديد:
1. أولوية الهوية اليهودية على الديمقراطية: الحفاظ على إسرائيل دولة يهودية، حتى على حساب تراجع القيم الديمقراطية، مع تقديم الهوية اليهودية على الهويات القومية الأخرى.
2. السلام وسيلة لا غاية: اعتبار الاتفاقات مع الأطراف العربية موقتة ومضللة، والنظر إلى السعي للسلام باعتباره تكراراً لأخطاء الماضي، لا قيمة مستقلة تحقق الأمن.
3. رفض استقلال الدول العربية: اعتبار معظم الدول العربية تجمعات قبلية وإثنية تفتقر إلى هوية وطنية مشتركة، والنظر إلى زعزعة استقرارها باعتبارها أمراً يمكن لإسرائيل إدارته والاستفادة منه.
4. الحرب حالة دائمة: اعتبار الحرب ضرورة للأمن القومي، وتفضيل الحروب الوقائية التي تحقق مكاسب مبكرة، بدلاً من التعامل مع الحرب باعتبارها شراً ينبغي تجنبه.
5. الاستقلالية والابتعاد عن واشنطن: حصر ضمان الأمن في القدرات الإسرائيلية، والنظر إلى الولايات المتحدة بوصفها قوة متراجعة قد تتخلى عن إسرائيل، مع اعتبار فك الارتباط بها ضرورياً للاستقلال.
6. أولوية الهجوم على الدفاع: اعتبار الضربات الاستباقية والمفاجئة السبيل الأساسي لتحقيق النصر، واللجوء إلى الحرب الوقائية عند تعذر ضمان الإنذار المبكر.
7. الدفاع المتقدم: إنشاء مناطق أمنية خارج الحدود، حيثما أمكن، لتوفير عمق دفاعي ونقل المعارك إلى أراضي الخصم.
8. اعتبار الصراع الفلسطيني جزءاً من صراع عربي دائم: رفض الاعتراف بتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، ومعارضة إقامة دولة فلسطينية أو أي فصل سياسي وجغرافي وأمني عن الفلسطينيين، مقابل توسيع الاستيطان ومنح العرب الذين يبقون داخل الدولة حقوق الإقامة والحكم المحلي.
9. الاستيطان والمدنيون جزء من المنظومة الأمنية: العودة إلى نموذج ما قبل قيام الدولة، عبر إنشاء مستوطنات وبؤر في مناطق الاحتكاك والحدود، وإشراك المدنيين في شبكة الدفاع.
10. الاستقلال الصناعي الدفاعي: إعطاء الأولوية للإنتاج العسكري المحلي والتكنولوجيا الدفاعية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، مع تقليل الاعتماد على أطر البحث والتعاون الدولية.
ان صدمة 7 تشرين الاول تستدعي مراجعة بعض السياسات الأمنية، لكن المبادئ الجديدة- إن كانت تمثل بالفعل تحولاً استراتيجياً- تتناقض مع الأسس التقليدية للأمن الإسرائيلي، وتعكس تغييراً في هوية الدولة منذ تأسيسها.
- أولاً: دولة اليهود أم دولة لليهود؟ عرّف إعلان الاستقلال إسرائيل دولة يهودية ملتزمة بالحرية والعدالة والسلام والمساواة في الحقوق، لا دولة دينية تقوم على التفوق اليهودي. فهل يتوافق تقليص حقوق المواطنين العرب، الذين يشكلون نحو خمس السكان، مع وصف إسرائيل بأنها دولة يهودية وديمقراطية؟
ثانيا: السلام هدف أم مرحلة موقتة؟ لطالما اعتبرت إسرائيل السلام عاملًا للازدهار ومصدرًا لتعزيز مكانتها الدولية. فهل يؤدي التعامل مع الاتفاقات باعتبارها أوهاماً موقتة، إلى تقويض الأمن وتحويل انعدام الثقة إلى نبوءة تتحقق ذاتياً؟ وهل يزيد هذا النهج خطر الهجرة وهجرة الكفاءات؟
ثالثاً: الازدهار بين الحروب أم الحرب الدائمة؟ وفق التصور التقليدي، تتيح فترات الهدوء التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية. فكيف يمكن للمجتمع والاقتصاد والثقافة أن تزدهر إذا أصبحت الحرب الطويلة قاعدة لا استثناء؟
رابعاً: إدارة المخاطر أم الهجوم المستمر؟ اعتمد المفهوم التقليدي على الردع والإنذار المبكر والدفاع. فما نتائج التخلي عنها لمصلحة المبادرة الهجومية الدائمة؟
خامساً: حماية المدنيين أم جعلهم خط الدفاع الأول؟ يقوم المبدأ التقليدي على تحمّل الجنود مسؤولية الدفاع وتقليل تعرض المدنيين للخطر. فهل يؤدي تحويل المستوطنين إلى خط دفاع أمامي إلى عكس هذه الأولوية؟
سادساً: دعم القوى الكبرى أم الاستقلال الكامل؟ تحتاج إسرائيل، بسبب صغر مساحتها ومحدودية مواردها واعتمادها على التجارة والتكنولوجيا العالميتين، إلى دعم القوى الكبرى. فهل تستطيع الاستغناء عن علاقتها الخاصة بالولايات المتحدة والتعاون العلمي والدفاعي الدولي دون مواجهة العزلة الدبلوماسية والجمود التكنولوجي؟
القضية لا تتعلق بمجرد تحديث العقيدة الأمنية بعد 7 تشرين الاول، بل باحتمال حدوث تحول جوهري في هوية إسرائيل، وفي تصورها للسلام والحرب والديمقراطية والعلاقات الدولية.





















































